
منذ يوم الثلاثاء الماضي، أطلق موقعُنا استبيانًا موجَّهًا إلى الكهنة والشمامسة، داعين إيّاهم إلى التعبير بصدقٍ ومسؤولية عن تطلّعاتهم وأمانيهم حيال البطريرك القادم، الذي سيُعهد إليه أن يكون الراعي الأول في مرحلةٍ تُعدّ من أدقّ مراحل حياة الكنيسة.
وقد وردتنا الكثير من الرسائل، اتّسمت بالصراحة والجرأة، بل إنّ بعضها جاء مؤلمًا وقاسيًا في لغته، غير أنّها جميعًا انبثقت من غيرةٍ حقيقية على الكنيسة الكلدانية، التي عانت كثيرًا في السنوات الأخيرة.
لم تكن هذه الرسائل مجاملةً ولا مداراة، بل كلماتٍ واضحةً وصريحة، تحمل في طيّاتها حسًّا عاليًا بالمسؤولية وقلقًا مشروعًا على مستقبل الكنيسة.
وانطلاقًا من حرصنا على خصوصية المرسلين، نورد فيما يلي مقتطفاتٍ مختارة من تلك الرسائل، من دون الإشارة إلى الأسماء أو ما يكشف عن أصحابها، مع الحفاظ على روحها المباشرة ونبرتها الصادقة.
إنّها، في جوهرها، صرخةُ ضميرٍ كهنوتي، ورؤيةٌ مشتركة تتقاطع عند سؤالٍ محوريّ: أيُّ بطريرك تحتاجه الكنيسة اليوم؟؟
نحن نُريد :-
* بطريركًا يؤمن بأنّ السلطة الأولى هي للمسيح وللكنيسة، لا للإعلام ولا للمنصّات الرقمية.
* بطريركًا يفيض خطابه بذكر الله والمسيح والعذراء، لا أن يتمحور حول ذاته وتكرار “أنا” في كلّ مناسبة.
* نُريد راعيًا لا ينشغل ليلًا ونهارًا بالردّ على التعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي، بل يقود الكنيسة بهدوءٍ وحكمة، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي .
* بطريركًا رصينًا في كلمته، متّزنًا في مواقفه، لا تحكمه الانفعالات ولا اللغة الاستفزازية.
نحن نَطمح إلى :-
* أبٍ حقيقيّ يحتضن الجميع دون إقصاء: الصالح والخاطئ، الموافق والمعارض، بل وحتى المنتقد.
* بطريركٍ قريبٍ من كهنته، يصغي إليهم، يسندهم، ويعاملهم كإخوةٍ لا كمرؤوسين.
نحن نرغب في :-
* قائدٍ متجرّدٍ من حبّ الظهور والشهرة، لا يسعى إلى الأضواء ولا يلهث وراء الإعجابات والتصفيق، بل ينشغل بخدمة الأبرشيات ورعاية المؤمنين، ويجعل من عظاته غذاءً روحيًا لا مادةً إعلامية.
نحن نتمنى :-
* بطريركًا يحفظ كرامة الجميع، فلا يشهّر بأحد، لا على المنبر ولا عبر الصفحات، ويصون كرامة الكنيسة فلا ينقل خلافاتها إلى العلن طلبًا للتأييد أو تصفيةً للحسابات.
* نُريد منه أن يكون رجل صلاةٍ وليتورجيا، يقدّس على المذبح بخشوع، ويعلن كلمة الله بوقار، بعيدًا عن الاستعراض أو البحث عن التأثير الإعلامي. تصوير وعرض القداديس بحضور اصحاب المناصب !
* بطريركًا يحفظ قدسية الطقوس، ويحترم تقاليد الكنيسة، فلا ينجرف إلى الارتجال أو الابتكار غير المنضبط ، بحجة التجديد.
كما يؤكّدون على ضرورة صون قدسية المنبر، فلا يُستغلّ لأغراضٍ سياسية، ولا يُتاح للسياسيين أن يحوّلوه إلى مساحة خطابٍ أو دعاية.
* بطريركًا يحافظ على مسافةٍ حكيمة ومتوازنة مع الشأن السياسي، فلا يخلط بين رسالة الكنيسة ومنطق المصالح والتحالفات.
* نحتاج أب حكيم وليس مَرجَع.
* نتمناه هادئًا، واسع القلب، لا يُستفزّ بسهولة، ولا يقود بردود الأفعال، بل يستند في كلمته وقراراته إلى الإنجيل وتعليم الكنيسة، لا إلى الانطباعات العابرة أو الضغوط اللحظية.
كما وأغلبهم يطالبون بفتح أبواب الحوار والتشاور، وتجنّب التفرد في اتخاذ القرارات، مع اهتمامٍ خاص بمتابعة شؤون الكنيسة الكلدانية في بلدان الانتشار، ولا سيما في أوروبا، وفهم واقعها وتحدّياتها، والإصغاء إلى أبنائها عن قرب.
وأخيرًا، يشدّدون على ضرورة أن يكون البطريرك متحرّرًا من خداع المظاهر، غير منقادٍ وراء التقارير السطحية أو التعليقات الرقمية، بل مستندًا إلى رؤيةٍ راعويةٍ عميقة، وبصيرةٍ روحيةٍ ناضجة. كلمته شهادة حيّة تعبّر عن وجدانٍ كهنوتيّ صادق، ويضع أمام الكنيسة مرآةً صريحةً، لعلّها تُسهم في بلورة صورة الراعي الذي تحتاجه كنيستنا في هذه المرحلة المفصلية من تاريخها .
ومن له أذنان للسمع فليسمع.
كادر موقع كلدايا . مي .......من بغداد